السبت، 9 يوليو 2016

من أين تأتي الشبهة و كيف نرد عليها؟


توضيح مهم :
من أين تأتي الشبهة و كيف نرد عليها؟ (موضوع طويلا لكن يستحق القراءة. لن يأخذ منك اكثر من 5 دقائق)
بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله و سلم على سيدنا محمد أشرف المرسلين و آله و صحابته الأبرار الأطهار الطيبين الطاهرين.
أما بعد فقد كثرت الشبهات حول هذا الدين العظيم و هذا ما يدل على كثرة الناقمين و الحاقدين على الإسلام. و كل يوم يحاول أعداء الإسلام تلفيق شبهة جديدة لنرد عليها. لذلك من الأجدر أن يعلم المسلم طريقة يرد بها على الشبهات بدل أن يسأل عن رد لكل شبهة تعترضه تطبيقا للمثل الشائع (لا تعطني سمكة و لكن علمني الصيد)
أولا كلمة شبهة من الجذر (ش-ب-ه) و الفعل اشتبه. فنقول اشتبه عليه الأمر أي التبس عليه الأمر و لم يعلم الحق من الباطل. و نجد ذكرا لها في سورة آل عمران الآية عدد 7 حيث يقول الحق عز و جل بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات و أخر متشابهات هن أم الكتاب فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما اشتبه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و ما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا و ما يذكر إلا أولوا الألباب)
فهنا يقول الله عز و جل أن ثمة آيات متشابهات في القرآن (أي أنها تسبب الالتباس للبعض) و ثمة حاقدون على الإسلام يفسرون هذه الآيات على أهوائهم قصد إضلال الناس.
الآن كيف تتكون الشبهة؟
1 أن تكون تفسيرا خاطئا للآية قصد إضلال الناس:
و مثال ذلك الآية 16 من سورة الإسراء حيث يقول تعالى (و إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليهم القول فدمرناها تدميرا) فهنا يأتي أحدهم و يحتج و يقول أن الله ظالم (أستغفر الله) إذ أنه يريد أن يهلك قرية بغير سبب و لم يجد حجة يبرر بها ما سيقوم به فأمر مترفيها بالفسق و الفجور فحق عليهم العذاب. أليس هذا ظلما؟
فهذا إذن نوع من أنواع التفسير الخاطئ فأولا نحن نعلم قول الله تعالى (إن الله لا يأمر بالفحشاء) فهنا المشكلة في فهمك للآية و ليس في الآية بحد ذاتها. فالله قد أمر المترفين بالعمل الصالح و بالخير و قيم الإنسانية و لكنهم عصوا و فسقوا في القرية لذلك فقد حق عليهم العذاب لأن الله لا يعذب قوما إلا بعد أن يرسل إليهم رسولا. و إذا سأل أحدهم (و ما ذنب بقية أهل القرية إذا قام بعض المترفين بالفجور فيدمرهم الله أجمعين؟) فنقول له أن الجواب سنتعرض إليه في قسم آخر من هذا المقال.
2 أن يتم إخراج الآية من سياقها و ظروفها المكانية و الزمانية:
و أفضل مثال على ذلك آيات الجهاد مثل الآية 5 من سورة التوبة (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم و خذوهم و احصروهم و اقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم)
فهنا هذه الآية نزلت في ظرف معين كان في زمن حرب بين المسلمين و المشركين و كل آيات الجهاد تأمر بحرب المشركين المقاتلين للإسلام و ليس أي مشرك و هذا ما يؤيده قوله تعالى في سورة الممتحنة الآيات 8-9 (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم و تقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين – إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين و أخرجوكم من دياركم و ظاهروا على إخراجكم أن تولوهم و من يتولهم فأولئك هم الظالمون) و لا داعي لشرح الآية فالمعنى واضح.
3 أن يأتي أحدهم بآية و آية أخرى تنسخها و يقول لك أن ثمة تناقضا في القرآن:
و الأمثلة كثيرة مثل وجود آية تحرم الخمر و آية تحله و لكن ذلك تدرج في التحريم لان المسلمين في الجاهلية كانوا مدمنين على معاقرة الخمور و لا يمكنهم تركه بين عشية و ضحاها.
4 أن يكون طارح الشبهة جاهلا بقواعد اللغة العربية:
و لنأخذ كمثال على ذلك شبهة تقول كيف تحولت القرية إلى مدينة بين عشية و ضحاها في سورتي الكهف و يس؟
ورد في سورة الكهف قوله تعالى (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا – قال هذا فراق بيني و بينك سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا – أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها و كان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا – و اما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا و كفرا – فأردنا أن يبدلّهما ربهما خيرا منه زكاة و أقرب رحما – و أما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة و كان تحته كنز لهما و كان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما و يستخرجا كنزهما رحمة من ربك و ما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا) سورة الكهف 76-81
و قال تعالى في سورة يس (و اضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون – إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون – قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا و ما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون – قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون – و ما علينا إلا البلاغ المبين – قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنّكم و ليمسنّكم منّا عذاب أليم – قالوا طائركم معكم أئن ذكّرتم بل أنتم قوم مسرفون – و جاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين) سورة يس 12-19
فهنا لما يسأل السائل عن سبب تحول القرية إلى مدينة في المقطعين و يقول بذلك أن القرآن متناقض فإن ذلك يدل على جهله باللغة العربية.
فالقرية في اللغة هي كل تجمع سكني يتفق فيه أهله كلهم على نفس المذهب و يقومون بنفس الأفعال لذلك فدائما عندما يتحدث الله عن التدمير فإنه يذكر القرى و ليس المدن. فيدمر الله مثلا قرية قد اجتمع كل أهلها على الفسق و الفجور و هذه إجابة عن سؤال طرحناه فوق. أما المدينة فهي ما وجد بها طائفتان على الأقل لذلك لا يمكن لله أن يدمر قوما فيهم أناس صالحون. و في سورة الكهف كان الحديث عن قرية كل أهلها بخلاء فلما تبين وجود رجل صالح له كنز تحولت إلى مدينة و كذلك سورة يس كان الحديث فيها عن قرية كل أهلها كفار فلما آمن منهم رجل واحد صارت مدينة.
الآن أحبتي في الله كيف نرد على الشبهة؟
أولا. ذكر الله تعالى الحل في سورة آل عمران الآية عدد 8 و قال أن التخلص من الشبهة يكون بالدعاء (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا و هب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) و عليك أن تكرر هذه الآية و تسأل الله تعالى أن يلهمك الجواب.
ثانيا. لا يجب أن تكون متأثرا بالشبهة. يقول الشيخ ابن تيمية رحمه الله (لا تجعل قلبك كالاسفنجة يتشرب الشبهة بل اجعله كالزجاجة المصمتة) فالاسفنجة تتشرب كل ما يسكب عليها فإذا سكبت عليها عطرا تشربه و إذا سكبت عليها خمرا تشربه و لذلك لا تجعل قلبك اسفنجيا يتشرب كل شبهة تقع به إلى أن يصل المسلم إلى هاوية الإلحاد و العياذ بالله.
ثالثا. تعرضنا إلى أنواع الشبهات في الجزء الأول من المقال لذلك عليك أخي المسلم أن تعلم أن الشبهة تكون نتيجة لجهل باللغة أو سوء فهم. لهذا إن تعرضت لآية أو حديث أو أي نص ديني يحتوي على شبهة عليك بالتالي:
البحث عن الظروف التاريخية التي نزل فيها النص الديني.
الاستعانة بالمعاجم العربية المشهورة لشرح معنى الكلمات المشتبه بها.
أن تتأكد من أن النص الديني ناسخ أو منسوخ بنص آخر.
أن تقرأ تفسيرات للنص و ابحث قدر الإمكان عن التفسيرات
و إذا فعلت هذا كله أخي المسلم أو أختي المسلمة و لم تصل للإجابة فحينها اطرح الشبهة على أهل العلم لأن الله تعالى يقول (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). و لتعلم أن ديننا هو دين الحق و أن المشكلة في فهمك و ليس في الآية.
عزيزي القارئ: إذا أفادك الموضوع فلا تنسى أن تنشره على أوسع نطاق كي يصل لأكبر عدد ممكن من إخوتنا الذي وقعوا في الحيرة و الشبهات.
هذا و الحمد لله رب العالمين و عطر اللهم أفواهنا بالصلاة و السلام على أشرف الخلق و سيد الكون و خاتم الأنبياء و المرسلين و اجعله شفيعا لنا يوم القيامة يا أرحم الراحمين يا غياث المستغيثين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق